|
لا يختلف اليوم عن الأمس، الفكرة نفسها والأدوات والمرجعية والتبريرات ذاتها، يواجه فقط اختلاف في الزمن والأشخاص. بالأمس كان صديق الملك الراحل، الحسن الثاني، أحمد رضا اكديرة، واليوم فؤاد عالي الهمة، صديق الملك محمد السادس. ومن مكر الصدف أن الرجلين معا يحملان اسما ثلاثيا، ويحملان صفة الصداقة المولوية. بعد أحداث 23 مارس 1965 أعلن اكديرة عن تأسيس "بديل سياسي" أطلق عليه "الفديك"، غير أن المشروع الذي نهل من المشروع الملكي، دائما، لم يعمر طويلا، وسرعان ما تداعى أعضاؤه الواحد تلو الآخر، ووسط كل الانتهاكات والاعتقالات التي سادت سنوات الرصاص، لم تصمد إلا أحزاب قليلة، وأخرى كثيرة اصطفت داخل حلقة الدولة. وجه التقابل بين مشروع اكديرة وحزب الهمة، أنهما نهجا الأسلوب ذاته. البحث عن "موالين الشكارة" داخل الأحزاب الإدارية، والتفرد بالقرار الحزبي لإبقاء الوضع تحت السيطرة، واستقطاب تنظيمات حزبية صنيعة الدولة لإظهار قوة التنظيم الحزبي الجديد، ذلك أن مؤسس "الفديك" اختار اسم الجبهة في حين اختار مؤسس الأصالة والمعاصرة لفظ الاندماج، كما أن سمة التقابل بين المشروعين، أنهما صنيعة رجلين تتشابه ظروفهما إلى حد الترادف، خرجا معا من دار المخزن بحثا عن موقع في البرلمان. لقد جمع الهمة في حزبه بين نقيضين توقعنا بحكم العقل والمنطق، أن لا شيء يجمع بينهما، اليمين الإداري واليسار المناضل. ولأن السياسة بالمعنى الميكيافيلي، تؤمن بأن لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، فقد استطاع الهمة أن يجمع بين أحلام اليسار وأطماع اليمين، وذكرنا وهو يجوب المغرب شمالا وجنوبا بجولات أحمد رضا اكديرة قبل مخاض تأسيس حزبه "جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية"، أراد الرجل، من خلال اختياره لهذا الاسم، أن يقدم نفسه مدافعا عن العرش. إن تأسيس الأحزاب السياسية بعيد عن أن يكون ترفا، وإنما نتاج تراكم فكري وتنظيمي يعكس مواقف سياسية في لحظة معينة. فقبل كل تأسيس يبدأ مخاض يتيح إمكانيات بلورة الأفكار والمواقف والتصورات، وهو الأمر الذي يختلف، بالتأكيد، عن شروط تأسيس الهمة المرتبطة بـ"التعليمات" والمناورة بحثا عن موقع داخل المشهد السياسي المغربي. ليس لعاقل أن يصدق أن تأسيس الأصالة والمعاصرة جاء لملء الفراغ، لأن لا فراغ داخل حقل سياسي قوامه أكثر من ثلاثين حزبا. لقد حاول أحمد رضا اكديرة من خلال تأسيس "الفديك"، قتل الذاكرة الجماعية للمغاربة بمحو صورة الأحزاب الوطنية واستئصالها، ففشل قبل أن يبدأ، ويحاول اليوم فؤاد عالي الهمة إعادة المحاولة نفسها في صورة منقحة "الأصالة والمعاصرة"، وبين الزمنين يحكم التاريخ. خالد الحري
|